سهيل زكار

334

تاريخ دمشق

المطلع على سره وجهره ، وتراسله وتعده وتمنيه ، وتطمعه في منصبه ، فإنه يجيب إلى ذلك ، ويعين عليه ( 112 ظ ) لأمرين أحدهما دينا ، لأن مذهبه مذهبنا واعتقاده موالاتنا ومحبتنا ، والثاني للدنيا وحبها ، وكونه يصير في منصبه فيها ، ويدبر الأمر عليه بمن لا يعرف ولا يؤبه به ، ولا يلتفت إليه ، ممن يغتاله إذا ركب ، فإذا ظفرنا بمن قتله قتلناه ، وأظهرنا الطلب بدمه والحزن عليه ، والأسف لفقده فيكون عذرنا عند كافة الرعية مبسوطا ، ويزول عنا قبح القالة ، وسوء السمعة . فاستقر الأمر على هذه القضية ، وشرع في إتمامه ، والحال فيه ظاهرة ، وقضى الله عليه قضاءه المحتوم ، وسر بمقتله سرورا غير مستور عن كافة الخاص بمصر والقاهرة ، وقيل إن الموضع الذي قتل فيه بمصر عند كرسي الجسر « 1 » ، في رأس السويقتين ، في يوم الأحد سلخ شهر رمضان سنة خمس وخمسمائة وعمره إذ ذاك سبع وخمسون سنة ، لأن مولده كان بعكا سنة ثمان وخمسين وأربعمائة ، وكان حسن الاعتقاد في مذهب السنة ، جميل السيرة مؤثرا للعدل في العسكرية والرعية ، صائب الرأي والتدبير ، عالي الهمة ، ماضي العزمة ، ثاقب المعرفة ، صافي الحس ، كريم النفس ، صادق الحدس ، عادلا عن الجور ، حائدا عن مذاهب الظلم ، فبكته العيون ، وحزنت له القلوب ، ولم يأت الزمان بعده بمثله ، ولا حمد التدبير عند فقده ، وانتقل الأمر بعده إلى صاحبه الآمر بأحكام الله أمير المؤمنين ، واشتمل على خزائنه وأمواله وذخائره وكراعه وأثاثه ، وهو الغاية في الكثرة والوفور ، وانتظمت للآمر « 2 » الأمور على المأثور ، وأقام أبا عبد الله بن البطائحي ، ووفى له بوعده ، ولقبه بالمأمون ، وبسط يده في البرم والنقض والرفع والخفض .

--> ( 1 ) الجسر المشار إليه هنا كان منصوبا بين الفسطاط وجزيرة الروضة ، ومن هناك إلى بر الجيزة ، وكان يتألف من مراكب مربوطة ببعضها بعضا مد فوقها أخشاب غطيت بالتراب ، واستخدم لعبور الناس والدواب . خطط المقريزي 2 / 170 . ( 2 ) في الأصل : للأمراء ، وهو تصحيف صوابه ما أثبتنا .